جريد أخبار العالم ـ بقلم زهير دنقير ـ نابل تونس تحقيق وفوتوغرافيا زهير دنقير ـ التبرع بالأعضاء ونقل الأعضاء من إنسان متوفى رغم حساسيته من الناحية القانونية والشرعية و النفسية بالنسبة لنا كبشر .

جريد أخبار العالم ـ بقلم زهير دنقير ـ نابل تونس
تحقيق وفوتوغرافيا زهير دنقير
بدأ التدخل في صميم الجسم الإنساني منذ أقدم العصور واستمر التطور حتى توصل الإنسان إلى آلية نقل الدم من إنسان إلى آخر فكانت أول مداخله في الجسم الإنساني.
وقد كانت جميع هذه المحاولات نادرة جداً في السابق لأنها كانت تتم على سبيل الاختبار العلمي لعلم الناس غير المصدقين لنجاحها وانتشارها.
ولكن وفي الوقت الحاضر ومنذ الثلاثينات من القرن الماضي حيث تمت أول عملية لزراعة الكلية أصبحت من أهم المسائل المطروحة على عقل وضمير الإنسان المعاصر مسألة الموقف الواجب اتخاذه من عمليات أخذ الأعضاء البشرية والأنسجة الحية من جسد إنسان حي ومن أجساد الأموات لزرعها من جسد إنسان مريض تعذر شفاءه بطرق المعالجة العادية لتصبح هذه المسألة ذات إلحاح أكبر كان الإنسان معني بتنظيم القانون في دول تحترم رعاياها والمقيمين على أرضها لأنها تتطلب منه لا اتخاذ موقف شخصي يلزمه هو فحسب بل اتخاذ موقف رسمي يلزم النظام السياسي الذي يمثله مع ما في ذلك من محاذير ناتجة عن إمكانية صدم الموقف المتخذ لقناعات الكثير من المسؤولين الآخرين والموظفين الذين قد لا يرون الموقف المتخذ ممثلاً لقناعاتهم الشخصية سيما وأن المراجع الدينية والسياسية اعتادت التعامل مع المسائل الحساسة بحذر شديد لدرجة الامتناع عن اتخاذ أي موقف غير مطالب به الإجماع.
أخيراً إن العلم يتقدم بشكل أكبر وسرعة أكثر من الإنسان وأصبح بمواجهة المبادئ التقليدية مبادئ جديدة مثل مبدأ احترام التطور الطبي احترام حرية البحث الطبي وتقييمه الواعي للمنافع المرجوة من تقدمه الهائل.
هذا ما دعى إلى مناقشة موضوع نقل الأعضاء البشرية وطرح كل من الرأي الطبي والديني والقانوني فيه، وبحث الآراء القانونية المقاربة في هذا المجال.
نقل الأعضاء من الناحية الطبية والعلمية
في البداية لابد من شرح الموضوع طبيا تأثيراته العلمية الحقيقية لنكون على بينة واضحة عند دراسته و تدقيقه فيما بعد من النواحي القانونية والشرعية .
نقل الأعضاء من إنسان حي :
أولاً : الحالة الأولى: أن يتم النقل من وإلى الشخص نفسه: وهذه عمليات تتم بأعداد كبيرة ولا تثير أي تحفظ قانوني أو ديني لأنها تتم دون أي خوف على سلامة المريض إنما العكس تماماً فهي تفتح لـه باب الشفاء السريع والمضمون أكثر من أي علاج آخر طبي.
كنقل الغضاريف وحتى نقل الأوردة التي تؤخذ من ساق المريض مثلاً ويتم زرعها لقلبه إذا ما أصاب مرض ما أحد أوردته بالتلف وهذه العمليات من نقل والغرس تتم بسهولة كبيرة لعدم تعقيدها طبياً حتى يترك تقديرها كاملة للجراح المعالج الذي يقدر كل حالة بما يناسبها دون أن يحتاج حتى إلى موافقة أهل المريض في الحالات الإسعافية.
ثانياً : الحالة الثانية : أن يتم النقل من إنسان حي إلى إنسان حي آخر وهنا تختلف الآراء حسب العضو أو الجزء المطلوب نقله:
أولا- ذلك أنه هناك أجزاء من الجسم الإنساني ما يقبل التجدد والتغير بسهولة ويسر كالدم الذي يمارس التبرع به ونقله طبياً للمرضى والمحتاجين في الحوادث والجراحات الكبرى فيتم نقله من الشباب القادرين الأصحاء على قدر الاحتياج وهذا يمارس من عشرات السنين وما زلنا نذكر طوابير المتبرعين بالدم من الشباب وجمهور المواطنين أيام الحروب للجنود والمصابين.
هذا التبرع لا يضر بالإنسان المتبرع بل العكس تماماً لأن بعض الشباب ينصحهم الأطباء بضرورة التبرع للحفاظ على صحتهم وهذه العمليات لا ننتظر وقت الإصابة ثم يطلب الدم بل أنشأ بنك الدم ليتبرع كل شخص عنده القدرة ونحصل عليها عند الحاجة بعد أن يتم توزيعها حسب الزمر التي تختلف من شخص إلى آخر.
وهذه الممارسات لم تنل اعتراضاً لا في إطار الدين وفق الأحكام الشرعية ولا في إطار القانون الوضعي وأحكامه بل على العكس تماماً حيث تشجع هذه الممارسات وينال صاحبها التشجيع المعنوي في الشرائع السماوية والقوانين الوضعية.
ثانيا- أن يتم التبرع بعضو من أعضاء الجسم البشري تكون متعددة أو ذات مثيل في الجسم ذاته ويمكن أن يكفي بعضها احتياج الجسم الحي دون البعض الآخر وأهم مثل لهذه الأعضاء الكلية، فقد وهب الله سبحانه وتعالى كل واحد من الناس اثنين ويقول الأطباء أنه وفقاً لما يجري بين الناس فإن الجسم البشري تكفيه واحدة أو حتى أقل وإن نقل الكلى من جسم شخص حي صحيح إلى جسم آخر مريض، مارسه الأطباء في حالات الاحتياج بالنقل من متبرعين إلى أقاربهم المرضى حتى أصبحت عمليات النقل هذه من العمليات البسيطة طبياً ويمارس النقل فيها بشكل كبير دون أي خوف على صحة المتبرع وكانت حالات الوفاة شبه معدومة
بعد عدة إجراءات أهمها:
من دراسة الحالة من قبل لجنة طبية مؤلفة من اختصاص الجراحة البولية وأمراض الكلية لإعطاء الموافقة.
تجري جلسة علمية تناقش فيها كل حالة أخذت الموافقة الطبية ويتم تحديد البروتوكول العلاجي وتحديد الكلية المراد قطفها من المتبرع والعمليات الطبية الحديثة تراعي وجود عدة بروتوكولات علاجية للانتقال من واحد إلى أخر إذا حدثت مشكلة ما أثناء الجراحة أو بعد الجراحة لكل من المتبرع والمريض المزروع له الكلية.
إن الذي يحصل ويجب أن يعرفه الجميع إن نقل الكلى وزرعها للمريض لا يتم على أنه نوع من الكماليات بل هي الضرورة الملحة لزرع الأعضاء لفئات لا تفيد معهم الأدوية وتعجز عن مساعدتهم أنواع الجراحات أو الأدوية المختلفة كحالات هبوط وظائف الكلى ذلك أن غسل الكلى لفترة معينة يضر هؤلاء المرضى ويبقى الأفضل والمطلب الوحيد الممكن لإنقاذ هذه الحالات هو زراعة الكلى.
وكل أسبوع يضاف إلى قائمة المرضى واحد أو اثنين لأن المريض المصاب بالفشل الكلوي يحتاج إلى ثلاث جلسات غسيل أسبوعياً تستغرق كل منها أربع ساعات تسبب لـه إرهاقاً شديداً يؤثر سلباً على بقية أجهزة جسده حتى أنه بعد فترة من إجراء عمليات الغسول الكلوي تسوء حالة المريض وتفشل هذه العمليات بإنقاذ حياته فيصبح بحاجة إلى زرع كلية له أو الموت.
في النهاية إن نسبة الإصابة بالقصور الكلوي تتراوح بين 100-150 إصابة لكل مليون شخص سنوياً وكيف بإمكان عملية تبرع بسيطة لا تؤذي متبرعيها بتقليص هذا العدد لكن الإشكالية الكبرى تكمن في أن عمليات زراعة الأعضاء تأخذ منحى يتناقص تدريجياً بسبب ندرة الأعضاء المتوافرة للزرع.
فتبرع فاعل خير لأنه لهذا العمل بعده الإنساني الذي يحتاج إلى مؤازرة ومساندة الجميع والأهم التوجه إلى المتبرعين الذين هم في النتيجة بنوك أعضاء متنقلة لو أذكينا جذوة الخير والإنسانية بهم أصبحنا بهم أغنى بنوك العالم في مجال زراعة الأعضاء والشعب التونسي عموماً شعب معطاء والدليل على ذلك ملاحظتنا هذا الصيف بمدينة نابل وبخيمة الهلال الأحمر التونسي للتبرع بالدم بالطريق العام حتى تجدها عامرة بالمتبرعين و الملفت للانتباه كانا العديد منهم أبناء الولايات و المتواجدين بنابل لقضاء إجازة السنة إضافة لذلك أشقاء من دولة الجزائر الشقيقة وعلى ذلك ينبغي أن نقيس.
ثالثا- نوع جديد يمارس حديثاً يتم النقل فيه من شخص حي إلى آخر حي. والتي شكلت فتحاً جديداً في مجال العلاج الطبي الحديث الذي يتقدم يومياً ألا وهي زراعة النخاع الشوكي حيث يتم التبرع بجزء من النخاع العظمي علاجاً جديداً ومجدياً في حالات سرطان الدم.
وهذا النوع من العمليات لا يحتاج إلى مداخلة جراحية وهي أشبه ما تكون بعملية نقل الدم الأمر الذي يتطلب حصول تطابق تام بخلايا النخاع بين المتبرع والمتبرع لـه وغالباً احتمالات مثل هذا التطابق لا توجد إلا بين الأشقاء والشقيقات مما يبعدها حتماً عن مجال الاتجار والكسب المادي للمتبرع. أضف إلى ذلك أن المريض لا يمكث في المستشفى أكثر من يوم واحد دون أن تنخفض مناعته إلى الصفر أو تستدعي عزل المريض أو إخضاعه لأي علاج خاص بل إنه غالباً لا يحتاج إلى نقل صفائح دموية جديدة ولكن لابد أن نذكر أن نسبة نجاح هذه العمليات أكبر وأكثر نجاحاً إذا كان المريض المتبرع له أصغر سناً حيث يتقبل الخلايا الجديدة لتندمج مع الجسد الذي يكون في مرحلة النمو وإن كانت نسب نجاح هذه العمليات ليست عالية جداً لكنها تكفي لإعطاء الأمل لكثير من العائلات كي لا تفقد أحد من أفرادها بسبب مرض لم يصل الطب حتى الآن رغم كل تقدمه إلى علاج كامل له.
نقل الأعضاء من إنسان متوفى : رغم حساسيته من الناحية النفسية بالنسبة لنا كبشر تأخذ العاطفة منحى كبير في حياتنا إلا أن أهميته العملية والطبية في الحقيقة تبقى اكبر
الفرع الأول : نقل الأعضاء من إنسان متوفى وفاةً طبيعية.
الفرع الثاني: نقل الأعضاء من إنسان متوفى وفاة دماغية.
إن الحصول على الأعضاء من الميت أهم ما يرفد موضوع نقل وغرس الأعضاء لتعدد الأعضاء التي يمكن الحصول عليها من جهة ومن جهة ثانية أهم ما يواجه عملية نقل الأعضاء من الأحياء الحفاظ على صحتهم وعمل باقي الأعضاء لكن إذا ما غادرت الروح هذا الجسد تحول إلى بنك كامل للأعضاء التي يمكن الاستفادة منها لإنقاذ أشخاص يرفدون المجتمع بخبراتهم ونشاطهم دون أن يعيقهم سبب صحي.
وبعملية تعداد بسيطة للأعضاء التي يمكن الحصول عليها من جسد المتوفى نعرف عدد الأشخاص الذين يمكن مساعدتهم وإعادتهم إلى أعضاء فعالين في المجتمع بدل أن يكونوا عالة عليه.
إن المسلك البشري وفق المعايير الأخلاقية والفكرية العامة متفقة بأن الحي أولى من الميت وإذا ما قال قائل الميت لـه حرمة في الشريعة فقد حرم التمثيل بالميت وأخذ عضو من أعضاء الميت تمثيل به وبالتالي يجب تحريم ذلك لكن إذا ما توقفت حياة شخص على الحصول على عضو من ميت وبالتالي عوده سليماً إلى المجتمع من باب الضرورات تبيح المحظورات بالتالي يمكن الحكم بجواز ذلك وهذا رأي معظم رجال الشريعة والفقه
و أهم الأعضاء الممكن نقلها من إنسان متوفى:
أولاً : القرنية:
للعلم والتأكيد إن استئصال العين بشكل كامل أو جزء لا يشوه الميت.
والأهم أنه يمكن الحصول على القرنية بعد الوفاة دون أي مشكلة حتى ثماني ساعات وتحفظ في سائل درجة حرارته 4 درجات ويمكن استعمالها لغاية 14 يوم بالحفظ
أما بالنسبة للإجراءات العملية لزرع القرنية هي عملية بسيطة جداً لا تحتاج إلى أكثر من طبيب عيون متمرن بشكل جيد والكادر الطبي من ممرضين وممرضات متوافر دون أن تحتاج إلى تقنيات معقدة أو صعبة والبروتوكولات ما بعد العلمية بروتوكول علاجي دون أن تحتاج أدوية ومتابعة لفترة طويلة بعد العملية.
لكن المشكلة الوحيدة هي بتوافر القرنيات التي لا يمكن الحصول عليها إلا من الأموات الذين يتبرعون بها بعد وفاتهم لبنك العيون إذا لابد من ضرورة التوعية الجماهيرية بتقبل فكرة التبرع لتأمين حاجة الآلاف من المرضى.
بعبارة أخرى إن كانت المشكلة عند المكفوف هي القرنية فالنجاح كبير جداً بتوافر القرنية يعود الكفيف لممارسة نشاطه الاجتماعي وبناء المجتمع الذي يحتاج لكل من مواطنيه.
ثانياً : الكلية:
لن نطيل الحديث هنا فقد تحدثنا عنها بوضوح كامل بقسم تبرع الحي بأعضائه لكن المشكلة في أن تبرع الحي محدود جداً ومن المستحيل أن يكون كافياً لعلاج المرضى ويسد احتياجاتهم المتزايدة .ولكن لا يمكن الحصول على كلى جميع المتوفين أيضا لأنه لا بد من معايير خاصة لقطف الكلى والإفادة منها من المتوفون وهذه المعايير هي:
1- عدم وجود مرض كلوي مزمن.
2- عدم وجود ارتفاع ضغط شرياني.
3- عدم إصابة المتوفى بالتهابات فيروسية مثل التهاب الكبد الوعائي.
4- عدم إصابته بفيروس نقص المناعة “الإيدز”

Related posts